شمس الدين السخاوي
145
السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم
رغِب إليكم وتحلّوا بالجود يُلبسكم ( 1 ) المحبة ، ولا تعتقدوا البخل فَتَسْتَعجلوا ( 2 ) الفقرَ » ( 3 ) . ومنهم دنيء الأصل رديء الطباع ، واثق بما في يديه ، فهذا لا يُصلحُه المال ، ولا يصلح عليه . ولذلك لما سأل ثعلبةُ بن حاطبٍ - وليس هو بالبدري ، إنْ صحَّ الحديث - رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسولَ الله ! ادعُ الله أن يرزقني مالاً ، قال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : « ويحك يا ثعلبةُ ! أما تحبُّ أن تكون مثلي ، فلو شئتُ أن يُسيّر ربي معي هذه الجبال ذهباً لسارت » . فقال : ادع الله أن يرزقني مالاً ، فوالذي بعثك بالحق لئن رزقني مالاً لأعطينَّ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه ، قال : « ويحك يا ثعلبة ! قليلٌ تطيق شكرَه ، خيرٌ من كثيرٍ لا تؤدي حقّه » . أو قال : لا تطيقه - . فقال : يا نبي الله ! ادع الله أن يرزقني مالاً ، فقال : « اللهم ارزقه مالاً » . قال : فاتخذ غنماً فبورك له فيها ، ونمت حتى ضاقت به المدينة ، فتنحَّى بها ، وكان يشهد مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالنهار ، ولا يشهد صلاة الليل ، ثم نمَت ، وكان لا يشهد إلا من الجمعة إلى الجمعة ، ثم نمَت ، فكان لا يشهد جمعة ولا جماعة .
--> ( 1 ) كذا في الأصل ، وفي « العقد الفريد » : « يكسبكم » . ( 2 ) كذا في الأصل ، وفي « العقد الفريد » : « فتتعجَّلوا » . ( 3 ) نعت الجاحظ في « البيان والتبيين » ( 1 / 365 ) ( أكثماً ) بأنه : « من الخطباء البلغاء ، والحكّام الرؤساء » . قلت : وهو أحد المعمّرين ، أدرك الإسلام ، وذهب في قومه إلى المدينة ليسلم ، لكنه مات في الطريق ، له ترجمة في « الإصابة » ( 1 / 110 ) ، « المعمرين » ( 14 ) ، « الوافي بالوفيات » ( 9 / 199 ) . والخبر المذكور موجود في « العقد الفريد » ( 1 / 189 - ط . دار الكتب العلمية ) ، وقال : « أخذه الشاعر ، فقال : أَمِنْ خَوْفِ فَقْرٍ تعجَّلْتَه . . . وأخَّرْتَ إنفاقَ ما تَجْمعُ فَصِرْتَ الفقيرَ وأنتَ الغَنِيُّ . . . وما كنتَ تَعْدو الذي تَصنعُ »